HPG

قوات الدفاع الشعبي الكردستاني

في صباح من شهر نيسان، فتحنا أعيننا على يوم جديد على أصوات الطيور. كانت رحلتنا نحو جارجلا على وشك أن تبدأ.

وبعد الاستعدادات حان وقت الوداع. أطلق رفيق خلفنا شعار «حريتنا كرامتنا». فضحك الرفاق لذلك، إذ كان كل ما يتعلق بالشرف، في وعينا ولاوعينا حتى ذلك الحين، مرتبطاً بالمرأة. كنت قد ضحكت في تلك اللحظة بعد تفكير قصير، فندمت على نفسي. فكل القيم النفيسة التي ينبغي حمايتها يجب أن تكون من قضايا الشرف. قيل الكثير عن الحرية، وأُجريت تقييمات كثيرة للشرف، لذلك لا حاجة إلى إضافة تفسيراتي هنا.

من المعروف أن الفلسفة تُفسَّر بأنها حب المعرفة. وعلى مدى آلاف السنين نوقشت موضوعات كثيرة، ونشأت مناظرات وخلافات عديدة. ومن هذه الموضوعات أيضاً: «أيهما أعلم، من قرأ أم من جال؟». وكثيراً ما انسدت النقاشات في هذه المسألة وبقيت بلا نتيجة. لكنني أرى أن كلاً منهما يغتني بالآخر ويكتسب به المعنى. فمن قرأ ولم يعش معرفته، فبقيت حبيسة نفسه، لا يفهم الحدث أو الموضوع، ويظل أشبه بتاجر. ومن جال وكانت تجاربه الحياتية غنية لكنه افتقر إلى المعرفة النظرية، يبقى قاصراً في إضفاء المعنى. وللمسألة جانب آخر هو التعبير الأدبي. فمثلاً، إذا جال إنسان في بلادنا، وهي قطعة من الجنة، ولم تكن قدرته على التعبير والسرد الأدبي قوية، أو بعبارة أخرى لم تكن ذخيرته من الكلمات غنية، فلن يستطيع وصفها بما يليق بقيمتها. وكذلك فإن شخصاً قارئاً أو متمكناً من الأدب، إن لم يرَ جمالاً أو موطناً بعينه، لا يستطيع أن يصوغ جملاً تليق بجماله أو يصفه بما يستحق.

كنت قد قرأت منذ مدة بعض الكتابات التي تتحدث عن مناطق كردستان. وعندما كانت تصف كابار وجودي وهركول، كنت أتحسر كثيراً لأنني حُرمت من ذلك الجمال. ولأنني لم أرَ تلك الأماكن، أي لم أعش في تلك المواطن، لم تكن تبقى كثيراً في ذهني. أما المكان الذي يراه المرء ويعيش فيه فلا يُمحى من ذاكرته سريعاً. وقبل مجيئي إلى جارجلا، كثيراً ما وُصف حسن هذه المنطقة وجمالها بعبارات مزخرفة. وإلى جانب جمالها، كان يُتحدث أيضاً عن صعوبة تضاريسها ووعورتها. وها أنا الآن مع الرفاق على أعلى جبال جارجلا.

كانت دولا بيرا إحدى محطات رحلتنا. كنت قد سألت الرفاق: لماذا سُمّي هذا الوادي وادي بيرا؟ وسأل رفاقي غيرهم، لكنهم هم أيضاً لم يكونوا يعرفون على وجه الدقة. غير أنه يُتوقع وجود آبار قديمة في هذه المنطقة. ولأننا لم نكن نخرج عن الدرب، لم أرَ إلا بئراً واحدة. وكان هناك أيضاً نبع محاط بالخرسانة، لكن البئر والنبع كليهما جفّا لأن السكان غابوا عن هنا منذ زمن طويل. وبعد قليل، كانت مقبرة تتوارى وسط الخضرة وحقل من أزهار الشيلير يذكّران المرء بالجنة. وكان أمراً لافتاً أن تنبت كل تلك الأزهار في تلك البقعة، ولا سيما داخل المقبرة وحولها. فمن المعروف أن أزهار الشيلير تنبت خصوصاً في زاغروس، وهي أزهار حمراء منحنية الأعناق، أي إن رؤوس أزهارها تتجه إلى أسفل. وكثيراً ما تُخفي في داخلها قطرة ماء. وكلما رأيت أزهار الشيلير شبّهت مصيرها بمصير كردستان، فلطالما شهدت هذه الأرض الألم والأسى والنهب والحرب والخراب. ولطالما سالت الدموع من عيون الأمهات والأطفال، أي إنهم عاشوا الحزن في أغلب الأحيان. وقد كبر أطفال الكرد ونشؤوا مع ذلك الألم والعذاب. تتشابه أزهار الشيلير وأطفال الكرد؛ فكلاهما يزيد بجماله وحسنه محبة الحياة والتعلق بها.

بعد دولا بيرا اتجهنا إلى ممر شيكير. ومن هنا كان يظهر جمال جارجلا كله، وتظهر أيضاً الصخور الأربعة التي أعطت المنطقة اسمها. وبعد بضع ساعات وصلنا إلى آفاشين، المشهورة بعشرات الأغاني والقصائد والكتابات التي كُتبت عنها. ومهما كُتب عنها لا يستطيع المرء أن يصفها بما تستحق، فهي قطعة من الجنة. مشينا فوق جسر وعبرنا آفاشين.

هنا توجد دولا جيناري. وكلما مررت من هنا تذكرت هذا القول: «سألوا شجرة الدلب: لماذا عمرك طويل إلى هذا الحد؟ فأجابت: لأنني متجذرة في أرضي». وأنا أشبّه شجرة الدلب بالكريلا؛ فكلاهما متجذر في أرضه. وقد لا يطول العمر من الناحية الجسدية، لكنه خالد من الناحية المعنوية. وهكذا قضينا تلك الليلة هناك، وفي اليوم التالي قطعنا الطريق الطويل من دولا جينارا إلى ممرها، حيث تزيّن كل مكان بأشجار الدلب، ووصلنا قبل الظهر إلى محطة أخرى. لم تكن مجرد محطة أخرى؛ فهنا كانت بداية منطقة جارجلا ونهاية منطقة آفاشين. وهنا تتبدل الفصول أيضاً. كلما تقدمنا إلى الأمام، عاد الفصل إلى الوراء؛ إذ كنا نعيش الربيع، أما هنا فكان الفصل شتاءً. وكان الثلج يغطي كل مكان. وحدث هنا أيضاً أمر لافت جداً. فعندما وصلنا لتوّنا إلى الممر كانت السماء صافية. ولم يمضِ وقت قصير حتى هطل البَرَد، ثم المطر، وأخيراً الثلج. أصابني الذهول: كيف يتغير الطقس كل هذا التغير في وقت قصير كهذا؟ وعندما بدأنا السير كانت الشمس قد خرجت أيضاً. انحدرنا من الممر، وكان أمامنا قرية ساتي، قطعة من الجنة. وفي الطريق التقطت صورة لزهرة ربيعية لم أكن أعرف اسمها. وعندما رأى الرفيق الذي معي ذلك، قال قولاً لافتاً: «في جارجلا آلاف الأنواع من الأزهار كهذه، وسترى الكثير بعد». ولذلك كففت عن تصوير الأزهار. وصلنا إلى قرية ساتي، وكان المطر قد بدأ يهطل هنا أيضاً. وما إن رأيت حال القرية المدمرة حتى أحاطت بي مشاعر الحزن، حتى لكأن المطر الهاطل كان يتحول إلى دموع وينهمر نيابةً عن عينيّ. تجولت أنا والرفيق الذي معي داخل القرية، والتقطنا صوراً لهذه الأماكن وتناقشنا في شأن القرية. كانت قرية كبيرة جداً، مبنية كلها بالحجارة. وكان نهر يجري بمحاذاتها، فيقول المرء إن هذا النهر هو ما يهب الحياة لهذه القرية. كانت مئات الحقول الصغيرة، وأشجار الفاكهة من كل نوع، وأشجار الحور والدلب تسحر المرء، وتزيد في الوقت نفسه حقده وغضبه على المحتلين الذين دمّروا بلادنا وشعبنا…

مهما تحدث المرء عن حسن هذا الوطن وجماله فلن يوفيه حقه، والصفحات أيضاً لا تكفي. ومن هنا فصاعداً صار الشتاء هو السائد، واكتسى كل مكان ببياض الثلج. هل ارتدت الطبيعة كفناً أم ثوب عروس؟ سؤال بلا جواب… من هنا فصاعداً لم تعد التضاريس تشبه ما تركناه وراءنا. طرق وعرة ومرتفعة ومليئة بالمخاطر. كان هذا الطريق الوعر والصعب أمامنا. وبعد طريق طويل على حواف الثلج وصلنا إلى الرفاق. كلما كان الطريق أشق، والظروف أصعب، ازداد تعلق المرء. فحيثما يبذل الإنسان جهداً كبيراً، يزداد ارتباطه بتلك الأرض. وهذه الحقيقة تنطبق على الكريلا أكثر من غيرهم. وبعد أيام قليلة مع الرفاق، كانت تنتظرنا رحلة أشق. لكن قبل ذلك لا بد من الحديث عن مسألة مهمة نسيتها، وهي الحدود التي أقامها المحتلون. لقد قطّعوا أوصال شعبنا بهذه الحدود، ليطحنوه ويذيبوه ويصهروه بثقافة الكذب داخل منظومة الاحتلال. وقبل أن نصل، كانت أحجار الحدود الخرسانية قائمة في طريقنا، بلا روح، باردة وبعيدة عن الحقائق. كانت رمز الاحتلال؛ فبتلك الأحجار الخرسانية قُسّم وطني واحتُلّ. وكانت قرية ساتي أول قرى باكور. أي إن ما سيأتي بعدها سيجري في منطقة باكور، وسيمضي سردي على أرض باكور. بعد سبع سنوات، ها أنا مجدداً على أرض باكور، ولذلك أشعر بالطمأنينة. على أمل أن يبلغ كل إنسان ينشد الحرية هذه الجنة على وجه الأرض.

 

مميان جياندا